النائب محمد فريد: أزمة الخطوط المسجلة دون علم المواطنين تكشف الحاجة لمراجعة منظومة تسجيل والتحقق من الهوية وحماية البيانات



أكد النائب محمد فريد أن المفارقة في خدمة «أرقامي» تتمثل في أن الحكومة تحاول معالجة مشكلة ساهمت الإجراءات الحكومية والتنظيمية نفسها في خلقها، بينما يتحمل المواطن عبء اكتشاف المشكلة والتعامل معها.
وأوضح فريد أن المواطن ليس هو من قرر أن تكون صورة بطاقة الرقم القومي مطلوبة في العديد من المعاملات، أو أن يحتفظ مقدم الخدمة بنسخة منها، وإنما هي قواعد وإجراءات للتسجيل والتحقق وضعتها جهات حكومية وتنظيمية على مدار سنوات.
وأشار إلى أن بطاقة الرقم القومي تتضمن مجموعة كبيرة من البيانات الشخصية، من بينها الاسم والرقم القومي والعنوان وغيرها، ومع تكرار تداول صور البطاقات والاحتفاظ بها لدى جهات مختلفة، تتزايد فرص إساءة استخدام البيانات أو التلاعب بها.
وأضاف أن خدمة «أرقامي» مهمة ومفيدة، لأنها تتيح للمواطن معرفة ما إذا كانت هناك خطوط محمول مسجلة باسمه دون علمه، إلا أن السؤال الأهم هو: لماذا يتحمل المواطن وحده عبء البحث عن الخطوط المسجلة باسمه دون علمه، ثم اتخاذ إجراءات إيقافها، بدلًا من مراجعة الإجراءات التي سمحت بتسجيلها من الأساس؟
وأكد فريد أن القضية لا تتعلق فقط بخطوط المحمول، وإنما بحق المواطن في الخصوصية وحماية بياناته الشخصية، موضحًا أن الخصوصية لا تعني فقط منع تسريب البيانات، وإنما أيضًا الحد من جمع وتداول بيانات أكثر من اللازم، مع وضوح الجهات التي تمتلكها، وأسباب الاحتفاظ بها، والمدة التي تحتفظ خلالها بهذه البيانات.


وقال إن السؤال الأساسي يجب ألا يكون فقط: «كيف نؤمّن كل البيانات التي جمعناها؟»، وإنما: «هل نحتاج أصلًا إلى جمع كل هذه البيانات؟».
وأوضح أن هذا المبدأ يتوافق مع اتجاهات أنظمة الهوية الرقمية الحديثة، التي تقوم على إتاحة المعلومة الضرورية فقط دون الكشف عن ملف كامل من البيانات الشخصية. فإذا كانت الخدمة تحتاج فقط إلى التأكد من أن الشخص تجاوز 18 عامًا، فمن الممكن إثبات ذلك دون إتاحة تاريخ الميلاد والعنوان وباقي بيانات بطاقة الرقم القومي.
وأشار إلى أن هذا المبدأ موجود من حيث الأصل في قانون حماية البيانات الشخصية المصري، الذي ينظم جمع البيانات لأغراض محددة، وعدم الاحتفاظ بها لفترة أطول من المدة التي يقتضيها الغرض، إلى جانب الحقوق المقررة لصاحب البيانات، ومنها طلب محو البيانات، مع مراعاة الحالات التي يفرض فيها القانون الاحتفاظ بها.
وأضاف أن النقاش حول «أرقامي» يجب أن يتجاوز مجرد إخفاء بعض أرقام الخطوط، ليشمل مراجعة شاملة لإجراءات التسجيل والتحقق من الهوية، وتحديد البيانات التي تحتاجها كل معاملة فعلًا، وما إذا كانت هناك ضرورة للحصول على صورة كاملة من بطاقة الرقم القومي، ومن يحتفظ بهذه البيانات، ومدة الاحتفاظ بها، وموعد محوها، وكيفية التأكد من أن مستخدم الهوية هو بالفعل صاحبها.


مسؤولية التسجيل والتحقق
وقال فريد إن بيان الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات يؤكد ما سبق طرحه، موضحًا أن الحكومة تحاول معالجة مشكلة سمحت بها منظومة التسجيل والتحقق، بينما تلقي عبء اكتشافها والتعامل معها على المواطن.
وأوضح أنه عندما توجد خطوط مسجلة بأسماء مواطنين دون علمهم، فإن السؤال الأول يجب أن يكون: كيف تم تسجيل هذه الخطوط من الأساس؟ وما الخلل في إجراءات التسجيل والتحقق من الهوية الذي سمح بذلك؟ ومن المسؤول؟ وهل تمت محاسبته؟
وأشار إلى أن مطالبة المواطنين بالاستعلام بصورة دورية عن الخطوط المسجلة بأسمائهم والتقدم بشكوى عند اكتشاف خط لا يخصهم، تجعل المواطن مطالبًا باكتشاف خطأ في المنظومة بنفسه، ثم تقديم الشكوى وانتظار تصحيح الخطأ، وهو ما وصفه بأنه «ترتيب معكوس للمسؤولية».
وأكد أن سلامة إجراءات التسجيل والتحقق من هوية صاحب الخط مسؤولية الجهة المنظمة وشركات المحمول من البداية، مشيرًا إلى أن إعلان الجهاز مراجعة ضوابط التسجيل والتفعيل خطوة مطلوبة، لكنها تحتاج إلى إجراءات واضحة وجدول زمني محدد، إلى جانب مراجعة استباقية للحالات التي تظهر فيها مؤشرات على عدم صحة بيانات التسجيل.
وأضاف أن أي خط يثبت أن بياناته لا تخص الشخص المسجل باسمه يجب أن تتوقف خدمته لحين إعادة التوثيق، على أن يقوم المستخدم الفعلي بإثبات هويته وتسجيل الخط باسمه الصحيح، بما يضمن تصحيح السجل نفسه بدلًا من انتظار المواطن صاحب البيانات لاكتشاف الخطأ.


حماية المواطن أولًا
وأوضح فريد أن القول بأن المسؤولية الجنائية شخصية صحيح من الناحية القانونية، لكنه لا يمثل حلًا للمشكلة، مؤكدًا أنه ليس من المقبول أن يجد المواطن، وهو في الأصل ضحية لسرقة بياناته الشخصية، نفسه طرفًا في تحقيق بسبب خط لم يشتره ولا يعلم عنه شيئًا، فيتحول عمليًا إلى طرف مطالب بالدفاع عن نفسه بسبب قصور كان من المفترض أن تمنعه المنظومة من البداية.
وأكد أن طمأنة المواطن بأن «المسؤولية شخصية» لا تعفي الحكومة من مسؤوليتها في حمايته من التعرض لهذا الموقف أصلًا.


التحقق البيومتري يحتاج إلى ضمانات واضحة
وحذر فريد من أن طرح التحقق البيومتري كجزء من الحل، دون الإعلان عن تفاصيل وضمانات حماية الخصوصية، يثير تساؤلات مهمة، خاصة أن البيانات البيومترية تُعد بيانات شخصية حساسة وفق قانون حماية البيانات الشخصية.
وتساءل: هل سيتم تخزين البيانات البيومترية أم استخدامها فقط لحظة التحقق؟ ومن سيحتفظ بها؟ وكم من الوقت؟ ومن له حق الوصول إليها؟ ومتى يتم محوها؟
وأكد أنه لا يمكن معالجة مشكلة تتعلق بحماية بيانات الهوية المنتهكة من خلال جمع بيانات أكثر حساسية دون وضع إطار واضح ومعلن لحمايتها.
واختتم النائب محمد فريد بالتأكيد على أن المطلوب من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ليس مجرد بيان لطمأنة المواطنين، وإنما شفافية ومساءلة حقيقية، من خلال الإعلان عن عدد الحالات التي تم رصدها، وتحديد الخلل الذي سمح بحدوثها، ومعرفة المسؤول ومن تمت محاسبته، وما تم اتخاذه لتصحيح السجلات القائمة ومنع تكرار المشكلة مستقبلًا.
وشدد على ضرورة أن تقوم منظومة حماية البيانات على مبدأ واضح: جمع الحد الأدنى الضروري من البيانات، والاحتفاظ بها فقط للمدة اللازمة، مع تشديد العقوبات على المخالفين، وضمان حق المواطن في الخصوصية وحماية بياناته.